ماريو وأبو العباس ... شغف الإبداع عبر التاريخ

 

ماريو وأبو العباس رواية الكاتبة ريم بسيوني
ماريو وأبو العباس رواية الكاتبة ريم بسيوني

 

  ماريو وأبو العباس هي أول رواية أقرأها من أعمال الكاتبة ريم بسيوني، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة بإذن الله، وعشت معها فترة طويلة، ربما كان من الممكن أن أنتهي منها في وقت أقل لولا انشغالي برسالة الماجستير التي لا تود الانتهاء فيما يبدو، فظللت أقرأ في الرواية ما يقرب من نصف عام، وهذا أمر لا يحدث عادة معي، ربما لم يحدث سوى في الكتاب المقدس، وربما قرأته في مدة أقل، ولكن طول هذه المدة جعلني أعيش مع أحداث الرواية وكأنني أعيشها بنفسي، ولا أود لها أن تنتهي.

ما جذبني في أحداث رواية ماريو وأبو العباس:

   ربما أكثر من عشت معها وتوحدت مع مشاعرها خلال قراءتي لرواية الكاتبة ريم بسيوني التي بين أيدينا هي شخصية لطيفة أو زينب، على الرغم من عدم تقبلي عادة لأن يكون للشخص الواحد اسمين، وغالباً ما أشعر في هذا الأمر أن من له اسمين مختلفين يكن له شخصيتين مختلفتين وقد يجعله هذا منافقاً؛ لذا أتوجس خيفة عادة ممن يحملون اسمين مختلفين، وقد كان للطيفة شخصيتين أيضاً؛ فهي الفتاة الهادئة ابنة الشيخ الشاذلي، ولكنها أيضاً المحاربة الملثمة التي تتمكن من إنقاذ أحمد المرسي.

    الذي على الرغم من كونه رجلاً إلا إنه لم يكن محارباً بارعاً بقدرها، وفي هذه التفاتة هامة بالنسبة لي في رواية ماريو وأبو العباس تواجه معتقداً ثقافياً واجتماعياً مرسخاً في ذهن العامة منذ قرون عديدة عن الصورة النمطية للذكر والأنثى وأدوارهما في الحياة، هنا الكاتبة ريم بسيوني تخلخل هذه النمطية؛ فليس شرطاً أن تكون الأنثى غير قادرة على حماية نفسها أو حمل السلاح وخوض أشد المعارك ضراوة لتظل أنثى، وليس شرطاً على الرجل أن يكون بارعاً في أمور حددها العالم بكونها تختص بالرجال وحدهم ليثبت رجولته.

    ربما في إطار أحداث رواية ماريو وأبو العباس تحدد الأمر بشكل أكثر خصوصية فيما يتعلق بالحروب والفروسية بشكل خاص، وهو أمر ربما لم يعد له وجود كبير في حياتنا المعاصرة بهذه الكيفية، ولكن يمكننا إسقاط الأمر على الكثير من التفاصيل الأخرى المتعلقة بحياتنا؛ فقد تكون المرأة في كثير من الأحيان هي الأقدر على مواجهة ضغوط الحياة والتصرف فيها بحكمة واختيار الطريقة المثلى للخروج من الأزمة، في حين قد يكون الرجل أقل قدرة على التعامل مع الضغوط، ولكن لديه باع أطول في الابتكار في أوقات الهدوء النفسي.

    وبصورة أكثر وضوحاً قد تكون المرأة عملية والرجل عاطفي إبداعي دون أن ينفي هذا أنوثتها أو يمحي رجولته، فعلى الرغم من شجاعة لطيفة وكونها محاربة بارعة لم يتنافى هذا مع كونها أنثى تتكور في حضن رجلها بحثاً عن الأمان بين ذراعيه، ولم يمنعها هذا من الاحتراق غيرة كأي امرأة حين تلمح ظل امرأة يسقط على من أحبته، وعلى الرغم من عدم براعة المرسي في خوض الحروب بالسيوف إلا إنه كان رجلاً قادراً على حمايتها حتى من هواجسها.

   بل كان أيضاً قادراً على مواجهة كل الفتن والتغلب عليها، والتي قد يرضخ لها أعظم المحاربين، ويلقون أمامها كل سيوفهم، وفي لقطات عديدة كنت أتماهى مع شخصية لطيفة في رواية ماريو وأبو العباس حتى أظن أنني قد أتوحد معها.

لمحات على هامش رواية الكاتبة ريم بسيوني:

    في البداية لم أكن أعرف إطلاقاً في الحقيقة أن لقب المرسي يعود إلى مرسية في أسبانيا (الأندلس حينها)، وكنت كالملايين أظنه اسماً متعارف عليه بشكل طبيعي؛ فلم أكن أعرف حتى أن المرسي أندلسياً من الأساس، ولكن لأنني كان قد سبق لي القراءة عن تاريخ الأندلس بشكل عام؛ فقد لفت نظري بعض التفاصيل التي حرصت الكاتبة ريم بسيوني على إبرازها، ومن ذلك ذكر اليهودية التي تواجدت في نفس السفينة مع أحمد المرسي وعائلته، فقد كانت الوحيدة التي عاشت مع المرسي وأخيه بعد غرق الجميع.

ماريو وأبو العباس رواية الكاتبة ريم بسيوني
ماريو وأبو العباس رواية الكاتبة ريم بسيوني


    وقد يظن البعض أن الأمر دخيل على أحداث رواية ماريو وأبو العباس لأي سبب كان، ولكن في حقيقة الأمر فإن الأندلس كانت مليئة باليهود فعلاً في عهد المسلمين، وقد حاربوا مع المسلمين حتى لا يستولي الأسبان على الأندلس؛ لأنهم كانوا يعلمون جيداً حجم الاضطهاد الذي سيطولهم حينها، وهو ما حدث بالفعل؛ فقد تعرض اليهود لمحاكم التفتيش كالمسلمين تماماً، وهرب العديد منهم كما هرب المسلمين، وقد تأثر اليهود بالأدب العربي أثناء احتكاكهم بالعرب في الأندلس حين كان يحكمها المسلمين.

   وهناك كتاب لأستاذ الأدب العبري بجامعة الأزهر الدكتور عبد الرازق أحمد قنديل في هذا الأمر بعنوان "أثر الشعر العربي في الشعر العبري الأندلسي"؛ فأعتقد أن ذكر هروب اليهودية في نفس السفينة مع أسرة المرسي وتعاطفهم مع بعضهم البعض بعد غرق السفينة في رواية الكاتبة ريم بسيوني كان الهدف منه توثيق الحدث بشكل واقعيBottom of Form، وكما ذكرت انتشار الشعر العربي في الأندلس حينها لدرجة تأثر اليهود به؛ فكان من الطبيعي أن يكون المرسي مجيداً للشعر قبل أن يكون صوفياً.

    وفي هذه العصور كان الشعر على ألسنة العامة كافة وليس الصوفية فقط كالكلام العادي؛ فلا يمكن التطرق لهذه العصور وأقطابها وتجاهل الشعر فيها؛ لذا كان من الطبيعي أن تأتي الكاتبة ريم بسيوني بالكثير من الشعر سواء على لسان المرسي أو شاعر الرواية وأحد أبطالها الآخرين الذي حملت الإسكندرية اسمه أيضاً كالمرسي في أحد أكثر أحيائها شهرة ألا وهو البوصيري، والبطل الآخر الذي اختارته الكاتبة ريم بسيوني لروايتها هو المهندس المعماري الإيطالي الذي حملت الرواية اسمه في شقها الأول ماريو وأبو العباس.

   فهو المهندس الذي بنى مسجد المرسي بعد سبعة قرون من وفاته وأمضى عمره وسخر فنه ليكون هو النبراس لحياة انقضت فأعاد إحيائها وتخليدها؛ فكان من الطبيعي أن يكون الحديث عن العمارة جزء لا يتجزأ من رواية ماريو وأبو العباس، والطريقة التي انتهجتها الكاتبة ريم بسيوني في رواية الأحداث على لسان المهندس الإيطالي إذ يحكيها لكريستينا وكأنه جالس هؤلاء الأقطاب: المرسي والبوصيري وياقوت العرش وابن عطاء الله السكندري، تذكرت حينها فصلاً قرأته لنابليون هيل في كتابه فكر وازدد ثراء.

     كان نابليون هيل يذكر في إطار التقنيات التي يتبعها لتحفيز ذهنه على الإبداع أنه يتخيل مجلس مستشارين له من كبار الفلاسفة والمبدعين ورجال الفن والفكر والسياسة والعلم على مر العصور، وكلما طرأ له أمر جلل، ويريد أفكار إبداعية لحله اجتمع بهذا المجلس في غرفة مغلقة، ويتخيلهم يحيطون به، ويسمع منهم ما تعرضوا له من أمور مشابهة في حياتهم، وكيف تصرفوا فيها حينها، ونصائحهم له لخروجه من مأزقه، وهذا ما رأيته في اجتماع روسي بهؤلاء الأقطاب كل حين أثناء بناءه لمسجد المرسي.

    وفي النهاية ربما الرسالة التي قد تصلنا من رواية ماريو وأبو العباس أن خدمة الحق والتراث لا تتطلب نوعاً واحداً من الجهد والعمل والإبداع؛ فالمرسي استخدم الذكر والدعوة إلى الله، بينما استخدم البوصيري شعره، وخلد ابن عطاء الله آثارهم بكتاباته وحكمه، وجاء روسي بعد سبعة قرون واستخدم العمارة والحجر؛ ليخلد أثرهم بوجود مادي على الأرض، وكل منهم قدم أثره الخالد من خلال أداة إبداعه بطريقته الخاصة.

 

   هل قرأتم رواية ماريو وأبو العباس من قبل؟ وماذا كان انطباعكم تجاهها؟ وإذا كنتم قد قرأتم أي من أعمال الكاتبة ريم بسيوني الأخرى فكيف ترون مشروعها الإبداعي بشكل عام؟ في انتظار آرائكم ومناقشاتكم المثمرة في التعليقات.

تعليقات