قراءة في رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور

غلاف رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور
غلاف رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور

 

    رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور على الرغم من بساطتها وصغر حجمها إلا إنها تترك أثراً في فكر قارئها تجعله يعيد النظر في أمور كثيرة، تبدو الرواية لأول وهلة حكاية بسيطة عن يونس باحث دكتوراه يدوخ السبع دوخات في سبيل الحصول على المراجع اللازمة لبحثه والوصول إلى النتيجة المرضية التي يمكنه بها تقديم دراسته لنيل الدرجة العلمية التي يتوقف عليها كل شيء في حياته: مستقبله المهني، ونظرة الناس والمجتمع له، وزواجه الذي رهنه والد خطيبته بدرجته العلمية، واعتقاده هو الراسخ أن الدرجة العلمية تلك هي التي ستهيئ له خلود ذكراه على الأرض بعد أن يرحل ويترك أبحاثه منشورة في كتب تعيش لقرون بعده.

ملخص رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور:

    وفي خضم هذا كله يتحرك بطل رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور من الإيمان المطلق الذي كان عليه في صباه، وشرع في دراسة الفلسفة لتكون سبيلاً له في المنافحة عن هذا الدين إلى التشكيك في كل شيء وصولاً إلى التشكيك في وجود الله نفسه، إذ لا يمكن لأحد التأكد من وجود الله أو أي من معجزاته كحديثه مع النبي موسى مثلاً الذي تدرسه خطيبته سايا في أطروحتها لنيل الماجستير، فلم يرى أحد أي من هذا الذي حدث.

   ومصدر معرفتنا الوحيد لهذا هو أساطير وخرافات تناقلناها على مر العصور بنوع من التقديس يجعلنا لا نناقش ما بها، ونتهم كل من يحيد عن الخط أنه كافر مجنون منبوذ، وتجابه آراء البطل التشككية إيمان خطيبته اليقيني مما يجعلها تقرر الانفصال عنه رغم حبها له؛ لأن حبها لله أكبر، وتتقاطع طريق البطل مع طرق أصدقاءه مهرداد القادم من فلوريدا وهو محمل بتشكك زوجته أيضاً تجاه الله وكل تفاصيل الكون، وعلي رضا صاحب النظرة الصوفية للإيمان، والذي يراه هو المحطة التي حتماً يصل إليها أي أحد مهما تخبط في تشككه إذ لا يمكن لأحد أن يدور في دائرة وهم الشك تلك للأبد.

المحور الرئيسي للرواية:

    أما الخطين الأكثر تقاطعاً في رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور هو تقاطع حياة وأفكار بطله يونس مع دكتور الفيزياء العبقري محسن برسا المنتحر محور أطروحته للدكتوراه التي تبحث عن أسباب انتحاره، وكما يشكك يونس طوال الرواية في وجود الله لعدم قدرته على قياس وجوده بأدلة عقلية منطقية كانت أسباب انتحار محسن برسا هي وقوعه في الحب، وعدم قدرته على إدراك كنه هذا الحب بأساليبه العلمية القياسية التي أعتاد عليها في قياس كل شيء محيط به في الكون.

   حتى إنه كان يريد تسخير العلوم الإنسانية والاجتماعية لمقاييس العلم والفيزياء، وكان يعد هذا مشروع حياته؛ ليصدم في النهاية بمشاعر حبه تجاه مهيتاب والتي لم يمكنه قياسها أو تحليليها أو وضعها في سياق علمي واضح، وكانت هذه صدمة كبيرة لعقله العلمي الذي لم يمكنه التعامل مع أمر خارج حدود العلم؛ فأدت لانتحاره، وقد اختار بناية أمام بناية حبيبته تطل عليها؛ لينتحر منها، ربما ليحقق ما كتبه لها في أحد رسائله أنه يود أن يضعها على قمة جبل ويهبط لأسفل ليظل متأملاً فيها وهي على علو.

   كان سبب انتحار محسن برسا صدمة ليونس إذ أنه يدحض السبب الذي أقام عليه أطروحته من البحث في الأسباب الاجتماعية لانتحاره، وإن كنت أرى أن هذه الأسباب صالحة للدراسة أيضاً، ولكن الأمر ينحصر أيضاً في فكرة رغبة الباحث في دراسة عوامل قابلة للقياس وربما وضعها في معمل، وهذا بالتأكيد غير متاح في الحب، وإن كانت معلوماتي عن علم الاجتماع أنه يدرس الظواهر بصورة أوسع لا معملية، ولكن لأن رواية وجه الله للكاتب الإيراني مصطفى مستور تدور بالأساس حول جدلية الإيمان بالغيبيات دون رؤيتها أتت نهايتها تؤكد أننا نحتاج لعقل في براءة الأطفال حتى نؤمن بيقين دون جدالات فارغة.

تعليقات