بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم

قراءة في كتاب بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم
قراءة في كتاب بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم




      قبل قراءتي لكتاب بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم للدكتور عصام الدين عبد الرءوف الفقي كنت أعتقد أن الإسلام دخل بلاد الهند سلماً عن طريق القوافل التجارية، ولكن اتضح لي خطأ هذا الإعتقاد، فبلاد الهند تم احتلالها من الممالك الإسلامية المجاورة في أفغانستان وخوارزم وصولاً للمغول، وأقول احتلالها لأن هذا لا يعد فتحاً إسلامياً بأي حال من الأحوال، فعلى الرغم من محاولة تصدير الدكتور عصام الدين عبد الرءوف الفقي للأمر في كتابه بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسم على أنه فتحاً إسلامياً هدفه نشر الإسلام والدعوة إلى دين الله إلا أن ما يذكره أيضاً في كتابه يدحض هذا الادعاء.
    فهؤلاء الملوك الذين أشار لهم الدكتور عصام الدين عبد الرءوف الفقي في كتابه بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم الذين ضموا أجزاء مختلفة من بلاد الهند إلى ممالكهم على اختلاف أشربتهم وأصولهم وممالكهم الأصلية لم يكونوا من دعاة الإسلام ولا بالمتدينين بأي شكل من الأشكال، فلم يذكر أحدهم إلا والكأس كان يرافقه ناهيك عن إدمانهم للأفيون الذي ذكر غير مرة، بالإضافة إلى ما ذُكر عن طرق اعتلائهم عروشهم الملكية وما دار عليها من خلافات.
    لا يكاد يوجد ملك أتى ذكره في كتاب بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم للدكتور عصام الدين عبد الرءوف الفقي لم يتصارع مع أسرته وذويه حتى يصل للعرش الملكي، فكثير منهم قتل أخوته أو سمل أعينهم وأصابهم بالعمى حتى لا يصارعونه على العرش، بل إن الابن خرج على أبيه يحاربه ليسلب منه العرش والأب قتل ابنه في سبيل عرشه، فكيف لأمثال هؤلاء أن يحاربوا لأجل دين أو لنصرة كلمة الحق وإنفاذ أمر الله في الأرض؟!
    أتقبل واقع أن هذه كانت طبيعة الحياة السياسية وأمور الحكم في ذلك العصر، حيث كانت الممالك تتصارع بهدف التوسع والأسر تتصارع داخلياً لوصول أفرادها للعرش وسلبه من بعضهم البعض، ولكن ما لا أتقبله هو نسب تلك الأفعال للإسلام، فالإسلام لم يأتي لبذر الشقاق والكراهية بين الناس من خلال الحروب والصراعات التي لا تهدف سوى المكاسب الدنيوية والشخصية، والجهاد لم يشرع في الإسلام لمحاربة الناس لمجرد اختلافهم الفكري أو العقائدي؛ فقد قال الله عز وجل: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" سورة يونس: 99.
   وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفسه ليس من حقه إكراه الناس أن يكونوا مؤمنين فما بالك ببعض البشر العصاة من الأساس، فالجهاد في الإسلام لم يُشرع لإكراه الناس على الإسلام أو للإستيلاء على ممالك وحكم غير المسلمين، وإنما شرع الجهاد للدفاع عن الإسلام والمسلمين وحق غير المسلمين في ممارسة عباداتهم بحرية دون التعرض للاضطهاد أو الظلم بأي شكل من الأشكال، وذلك يعني أن على الحاكم المسلم إعلان الجهاد في حالة تعرض أي مجتمع أو دولة مسلمة لاعتداء خارجي أو تعرض مسلمين في دولة غير مسلمة للاضطهاد والظلم ومنعهم من أداء شعائر الإسلام والدعوة إليه بالحسنى أو عند استنجاد شعب ما حتى لو غير مسلم بالحاكم المسلم لنصرتهم من ظلم واضطهاد حاكميهم.
     وكل هذه الأسباب للغزو لم تتوافر في بلاد الهند ليتم غزوها من الممالك الإسلامية المجاورة لها، بل إن تلك الممالك لم تكتفي بغزوها لبلاد الهند فغزت بعضها البعض وتحاربت في سبيل التوسع وفرض السيطرة، مما ينفي عنها تماماً فكرة الجهاد في سبيل الله ولنشر الإسلام بل هي مجرد ممالك تطمع في توسيع رقعتها وفرض سيطرتها على ما جاورها كغيرها من الممالك في ذلك العصر ولكن صادف فقط أن ديانة حكامها كانت الإسلام الذي نهى أساساً عن هذا الأسلوب في الحكم والسيطرة على الآخرين.
    تناول كتاب بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم للدكتور عصام الدين عبد الرءوف الفقي الممالك الإسلامية المتعاقبة والمتداخلة على بلاد الهند، فالهند أساساً أمضت تاريخها وهي ممالك منفصلة لذا عندما دخلت الممالك الإسلامية بلاد الهند سيطرت كل منها على مناطق مختلفة وحاولت التوسع فيما بينها، بدءاً من الدولة الغزنوية مروراً بسلاطين المماليك والخلجيين والتغلقيين واللوديين انتهاءً بدولة المغول التي دامت ما يقرب من أربع قرون حتى سقطت بلاد الهند في الاحتلال الإنجليزي الذي لم يتركها قبل أن يزرع الفتن بين المسلمين والهندوس لتنقسم بلاد الهند إلى الهند وباكستان، ثم تنقسم باكستان نفسها إلى باكستان وبنجلاديش.
    على الرغم من أنني استفدت كثيراً من كتاب بلاد الهند في العصر الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى التقسيم للدكتور عصام الدين عبد الرءوف الفقي، واطلعت من خلاله على معلومات وحقائق تاريخية لم أعرفها من قبل إلا إنني وجدته كالعادة متحيزاً غير موضوعياً فقط لأن تلك الممالك كان يحمل ملوكها ديانة الإسلام بالوراثة ومتحاملاً على أهل الهند الأصليين فقط لأنهم لا يدينون بالإسلام ولا يعتقدون فيه ويتمسكون بدياناتهم المختلفة، وهذا الانحياز ليس من صفات المؤرخ الحقيقي أو الباحث الأكاديمي بأي شكل من الأشكال.
    على الباحث الحقيقي أن يخلع عباءة انتماءاته ومعتقداته السابقة قبل أن يلج محراب العلم والبحث، فلا يدعها تؤثر على الحقيقة لتعكسها أو تلوي عنقها.

تعليقات

  1. أتفق مع حضرتك وفعلا يجب علينا قراءة الأحداث التاريخية مرات ومرات بتجرد تام وليس عيباً أن نثبت خطاءا او أخطاءا على بعض الإمارات والدول التي كانت توصف الإسلامية يوما ما لأنه في اعتقادي لا يوجد ما يسمى حكم إسلامي وغير إسلامي الحكم يتبع صاحبه فقط أصاب فيه أو أخطأ

    ردحذف

إرسال تعليق

تعليقاتكم تثري موضوعاتنا وتساعدنا على الاستمرار فنحن نهدف إلى اثارة النقاش الجاد المفيد لكافة الأطراف حول الموضوعات المطروحة، ويسرنا أن نعلم ما إذا كانت المقالات تنال استحسانكم أم لا وما جوانب النفع أو القصور فيها، وماذا تأملون في المقالات القادمة؟